إثنين أسود جديد بإنتظار الإقتصاد الأمريكي مع برنامج دونالد ترامب الإقتصادي

أيا كان ما أكتبه حاليا فلا شك أن بعضكم سيتفق معه وبعضكم سيرفضه تماما ربما حتى مكتفيا بالعنوان لكن الغريب أنه دائما في الأزمات الإقتصادية تكون الأزمة تكتمل وتتشكل أمام عيون الجميع متابعين وخبراء لكنها تقع فجأة ، كأن لم تكن هناك إرهاصات وكأن الأمر كان غير ممكنا وغير قابل للتوقع بينما بعد وقوع الأزمة يتسابق السادة المحللون لتفسير ما حدث وكيف أنه منطقي ، ويغيب عن هؤلاء أن هذا ( المنطقي ) كان يتشكل أمامهم بينما كانوا يتحدثون ويحللون في كلا الإتجاهين بتوقع هبوط الأسواق أو صعودها دون أن يقطعوا برأي ودون أن يتنبهوا أن الفقاعة على وشك الإنفجار ، وللأسف الكثير من المتداولين يتابعون سخافات هؤلاء بإهتمام وقد يبنون مراكز تداول كبيرة وفقا لتوقعات هؤلاء الخبراء ممن يشبهون خبراء الزلازل ، لا يفعلون سوى المتابعة في محاولة للتعلم والتنبؤ بمكان وموعد الزلزال لكنهم لا يصدرون أي تحذير إلا بعد وقوع الزلزال الأول ليقولوا قولتهم الأثيرة ( الأسوء لم يأت بعد )



دونالد ترامب رئيس أمريكي قوي وواثق في نفسه إلى درجة الغرور ، يدير أكبر إقتصاد في العالم كما يدير شركته الخاصة لذلك لا ينتبه كثيرا لمعارضة الفيدرالي ويعامل رئيسه على أنه موظف سيحاول جاهدا أن يتخلص منه خارج تلك الشركة في أقرب وقت ممكن دون أن يمنحه الفرصة لطلب تعويض أو حتى مكافأة تقاعد ، ويتعامل مع باقي الإدارات الحكومية بكثير من الإستخفاف ، وحتى الإعلام إستعاض عنه تماما بحسابه على تويتر الذي أصبح العالم يتابعه بأكثر مما يتابع قنوات الأخبار الأمريكية
لكنه ناجح حتى الآن ، تراجع معدلات البطالة وتعاظم النمو وصعود المؤشرات لمستويات قياسية لم تشهدها من قبل ، نجاح واضح حتى في حروبه التجارية ، تحرك كما يشاء في مواجهة المكسيك ، يضع كندا تحت الضغط ، يلغي إتفاقات ويستبدلها بإتفاقات ثنائية أكثر موائمة للولايات المتحدة الأمريكية ، يدفع أوروبا إلى الحائط بقسوة ويجبر اليابان على إستثمارات قد لا تكون راغبة فيها
يشعل حربا إقتصادية مع الصين ، نتفق أن الصين لديها وضع غريب وغير عادل في منظمة التجارة العالمية التى تصنفها كدولة نامية وهو وضع تستفيد منه الصين كثيرا ، لكن نمط الحرب التى يشنها دونالد ترامب على الصين لا تشبه حروب الدول بل حروب الشركات ، معركة عض أصابع يقبل فيها الطرفان بتحقيق خسائر متبادلة والنتيجة الحتمية خسارة الطرفين لكن النقاط يتم إحتسابها على أساس الأقل خسارة ، ترامب يعتمد قدرة الإقتصاد الأمريكي على التحمل والصين تعتمد على فائض هائل تم تجميعه على مدار عقود لمواجهة سيناريو كان في الحسبان لكنه لم يكن في التوقع

بالنسبة لدونالد ترامب تعريفاته العقابية أقوى من تراجع الصين عن شراء المنتجات الأمريكية فنسب التعريفات المفروضة أكبر من قيمة الصادرات التى كانت أمريكا ستصدرها للصين وهي نقطة لصالح ترامب الذي حاول أن يعظم نتائجها بالبحث بنفسه عن مشترين في اليابان للزراعات الأمريكية
الصين لا يبدو أنها متعجلة لحسم الأمور وتفضل التفاوض مع من يخلف دونالد ترامب وتراهن على أزمة اقتصادية ستحدث في الإقتصاد الأمريكي قد تطيح بالرئيس ، هو سيناريو الأحلام لدي الصين

دونالد ترامب يعلم أنه بتوليه السلطة أصبحت الدولة الأمريكية فعليا في مأزق ، على الأقل الدولة العميقة التى تحمي نمط الحياة الأمريكي وشكل إقتصاده ، ويعلم أن المقاومة الشرسة التى أبدتها تلك الدولة العميقة تجاهه كانت المعركة النهائية وهو انتصر فيها وبذلك لم يعد أمام الدولة العميقة المحافظة سوى الرضوخ له إلا فيما ندر لسبب بسيط أنها تعلم أن دونالد ترامب برحيله سيخلف كارثة إقتصادية يجنيها خلفه بينما سيجد من يتحدث عن أن فترة ترامب كانت فترة ممتازة إقتصاديا

لماذا ؟
ببساطة لأن دونالد ترامب وضع ركائز لبرنامجه الإقتصادي أجرأ من أي رئيس آخر ، هو لا يريد الإنغماس في التفاصيل الصغيرة ولا يريد أن يستغرق وقتا طويلا قبل أن تبدو إنجازاته واضحة للناخب الأمريكي لذلك فإنه وفقا لبرنامجه الإقتصادي هو يحتاج إلى نقاط رئيسية يجب أن تطبق كلها كالآتي:
تخفيضات ضريبية تستفيد منها الشركات ( ربما يجني المواطن بعض المكاسب لكن الأساس هو الخفض الضريبي للشركات )
عملة ضعيفة تساعده على المنافسة في الأسواق داخليا وخارجيا
تخفيض حجم الإنفاق العسكري
تخفيض الإنفاق بشكل عام
إلغاء وتعديل الإتفاقات التجارية التى تؤثر في الميزان التجاري
وأخيرا منح كل الدعم للأسهم الأمريكية للصعود واستخدامها كقاطرة للاسواق والإقتصاد بصفة عامة

وهو استطاع تمرير معظم ما يريده فحقق خفض واضح وملموس للضرائب استفادت منه الشركات كثيرا لكن يمكن رصد حالة توجه الشركات إلى شراء أسهمها مما أدي لرفع أسهم تلك الشركات بشكل واضح وبالتالي إرتفاع مؤشرات البورصة الأمريكية تاثرا بحركة الشراء الذاتي على اسهم الشركات والذي تبعه بالتالي خلق طلب على تلك الأسهم وبالتالي على المؤشرات
الجانب السلبي أننا لا نعرف يقينا سعر التداول العادل لأسهم تلك الشركات أو حتى للمؤشرات الأمريكية لكننا ندرك انها مقدرة بأكبر من حجمها وهي نقطة سلبية وخطيرة للغاية إذا ما حدث أي شئ يمكن أن يؤثر عليها فسرعة إنهيار سوق الأسهم والمؤشرات عند حالة الفزع كبيرة للغاية ( نتذكر الإثنين الأسود كأنه أمس حيث انهار داوجونز وخسر الجميع في دقائق ما حصدوه في سنوات )

وفيما يخص الإنفاق العسكري هو متوجه لذلك بمنتهي القوة ، يقلل التواجد العسكري في كل مكان وحتى في الأماكن التى يجد أن لزاما عليه التواجد فيها فإنه يطالب بأن يكون ذلك التواجد مدفوع الثمن إما بشكل مباشر أو عبر تمويل ذلك من خلال صفقات بيع سلاح كبيرة ومكلفة وتضمن له عمل مصانعه لفترات طويلة بشكل مربح وهو ما حققه بنجاح حتى الآن

وبالنسبة لتخفيض الإنفاق بشكل عام هو يتجه وبسرعة نحو تقليص برامج المساعدات ويستعد للخروج من منظمات دولية يري أن الحصة التى يدفعها لتلك المنظمات غير عادلة قياسا بالدول الأخري ( من تلك المنظمات الناتو التى نوه عن عدم رضاه حول حصة أمريكا في نفقاتها خلال هذا الشهر )

وبالنسبة لإلغاء وتعديل الإتفاقات التجارية فهو بدأ فترة رئاسته بذلك مباشرة مع كندا والمكسيك ودول أخرى مفضلا الإتفاقات الثنائية على الإتفاقات في إطار كيانات أكبر كمنظمة التجارة العالمية

الرئيس دونالد ترامب لديه رهان مضارب وهو يراهن على أن وول ستريت وأسهمها وأوراقها المالية قادرة على قيادة الإقتصاد بصفة عامة لذلك هو يمنحها كل ما تحتاج لتبدو براقة مربحة

لكن يظل لديه عامل واحد لم يستطع تحقيقه حتى الآن وهو خفض قيمة الدولار الأمريكي ، حتى الآن هو في حالة نزاع واضح وعلنى مع الفيدرالي الأمريكي الذي يرى أنه الخفض الأخير للفائدة كاف ومناسب بينما يصر ترامب على خفضات أكبر وأسرع تصل إلى نقطة مئوية ، هو يرى أن دولار أمريكي لديه أي هامش من الفائدة الإيجابية يظل غير قادر على المنافسة بينما يري الفيدرالي أن ما منحه لترامب حتى الآن مناسب وجيد ولا حاجة للمزيد

تلك المعركة لا ننتظر فيها إنتصارا للفيدرالي الأمريكي ففي النهاية دونالد ترامب يبدو قادرا على تحريك الأمور بشكل أو بآخر ، يمكنه أن يؤثر على قيمة الدولار عبر إجراءات بعيدة عن الفيدرالي وهو ما يفعله الآن

لكن الأزمة الحقيقية أن دولار أمريكا الذي يكرهه ترامب حتي الآن لديه ميزة نسبية أمام اليورو والين ومعظم العملات فبينما لدينا فوائد سلبية في أوروبا واليابان لدينا فوائد إيجابية في أمريكا لذلك لا ننتظر أن يستطيع دونالد ترامب تحقيق آخر مطالبه إلا عبر تحرك واسع مخطط له لا ندري ما هو حتى الآ لكن من المفترض أن هناك ما يحضر له لتحقيق ذلك لضمان نجاح برنامجه الإقتصادي

لكن حتى مع نجاح برنامج ترامب الإقتصادي فإن المخاوف من تعرض الإقتصاد الأمريكية لكارثة مروعة في حالة فشل دونالد ترامب في الفوز بدورة رئاسية جديدة هي حقيقة واقعة ، فهو يبدو حتى الآن قادرا على التعامل بشكل جيد مع تعاظم الدين الداخلي ومع سلبيات برنامجه الإقتصادي
لكن أي خليفة لدونالد ترامب لن يكون قادرا على مواصلة هذا النهج الخطر وسيكون عليه مواجهة مشكلات نتوقعها في حالة رحيل دونالد ترامب فسنشهد إنهيارات حادة في الأسهم والمؤشرات الأمريكية وفي بعض القطاعات وقد نشهد ما يشبه الإثنين الأسود الأخير لكن أكثر إستمرارية وأشد قسوة على الإقتصاد الأمريكي ، إنهيار الأسهم والمؤشرات سيكون متواكبا مع لحظة خسارة دونالد ترامب للإنتخابات الأمريكية   ( سنشهد تلك الأسهم والمؤشرات تحتفل في حالة نجاحه في الحصول علي دورة رئاسية جديدة ، لكن في كل الاحوال فكرة خروج دونالد ترامب من المشهد تظل قائمة وربما أكثر ما يعبر عن الموقف الذي تورطت فيه أمريكا بالكامل هو ما نشره دونالد ترامب شخصيا عبر تويتر ( تراه ضمن الصورة المرفقة ) والتى أكد فيها أن رحيله سيؤدي مباشرة لإنهيار الأسواق

ما لم يقله دونالد ترمب أن حالة الإنهيار تلك قد نشهدها حتى في ظل نجاحه في الفوز بولاية رئاسية أخرى فحتى الآن الأمور تسير بشكل جيد لكن ضمن هامش يسمح لبرنامج دونالد ترامب الإقتصادي بالتزلج على ثلج هش ورفيع ، لكن ماذا لو تعرض ترامب لضغوط حقيقية من الصين ، حتى الآن هي لم تفعل شيئا تقريبا بينما لديها الكثير لتفعله لو أرادت وهي الحائزة لنسبة كبيرة من حيازات سندات الخزانة الأمريكية
ربما لن يكون الخطر من بعض الزوابع التى يثيرها في أوروبا كبيرا لكن لا ندري كيف تنتهي الأمور مع الصين وكيف يمكن معالجة الوضع في منطقة الخليج وكيف يمكن تهدأة مخاوف الأسواق التى بدأت فعليا في التحوط بزيادة حيازات الذهب خوفا من القادم

في الإقتصاد تصبح الإشاعة خبر ، والخبر المجهول عندما نذكره كثيرا يتبناه البعض كما لو كان واقع ، والفزع في الأسواق يشبه الأمراض الفيروسية سريعة الإنتشار وفي يوم الإثنين الأسود الأخير مضت الأمور مثل لعبة إسقاط أحجار الدومينو ، سريعة للغاية متوالية دون توقف ، تأكل كل الأحجار في طريقها لتسقط كل الأحجار التى إستغرق اللاعبون طويلا في وضعها لبناء الشكل دقائق كي تنتهي إلى السقوط الكامل ضمن شكل دائري نعلمه جيدا  
إثنين أسود جديد بإنتظار الإقتصاد الأمريكي مع برنامج دونالد ترامب الإقتصادي إثنين أسود جديد بإنتظار الإقتصاد الأمريكي مع برنامج دونالد ترامب الإقتصادي Reviewed by DR HISHAM M YOUNES on August 25, 2019 Rating: 5

No comments:

Note: Only a member of this blog may post a comment.

Powered by Blogger.